اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

22

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

اليونانية ؛ ومن الغريب أن هذا المؤلف قد اعتمد على المصادر اليونانية حتى فيما يتعلق بسوريا وبموطنه أرض الجزيرة الأمر الذي اضطر بحاثة قام بدراسة مصنفه من وجهة النظر الجغرافية الصرفة إلى الاعتراف في خاتمة بحثه بأنه « من العبث البحث في مصنفه عما من شأنه الإسهام في تاريخ علم الجغرافيا » . وقد أثبت أحد المتخصصين في الدراسات السريانية ، وذلك في بحث له عن نشأة الأدب الجغرافي بين ظهرانيهم ، أنه من العسير القول بوجود مصنفات ذات أهمية في وصف البلدان والشعوب لدى السريان 13 . وفي الواقع أن اللغة السريانية لم تحفظ لنا أي مصنف كبير في الجغرافيا ، هذا إذا أشحنا النظر عن كتاب « اسكاريفوس » الذي مر ذكره آنفا وعن بعض المعلومات المتعلقة بتحديد الموقع الفلكي لمواضع مختلفة بهدف وضع مصور جغرافى . إن الجغرافيين العرب وحدهم هم الذين ذللوا الطريق لدراسة المادة الجغرافية الهائلة التي أورثها اليونان للعصور الوسطى . وليس أقل مغزى من هذا أنه لم يصلنا عن العهد السابق للمصنفات الجغرافية العربية وصف واحد لرحلة ما باللغة السريانية بالرغم من أن محيط أسفارهم قد شمل القسطنطينية - - وبيت المقدس والإسكندرية 14 . أما المصنفات السريانية المتأخرة في الجغرافيا فقد اعتمدت اعتمادا تاما على العلم العربي ويمكن أن تمثل بعض الأهمية كجزء متمم له وذلك في تحليل فترات معينة من تاريخه 15 . ويمكن القول بأنه قد وضح حاليا لدى العلماء الأوروبيين بجلاء أن الأهمية الأساسية للأدب الجغرافي العربي تستند على ما أسهم به من مادة جغرافية جديدة لا على النظريات التي اعتنقها . ويجب منذ البداية ملاحظة الاتساع الهائل في مدى المعلومات الجغرافية لدى العرب عند مقارنة ذلك بما عرفه العالم القديم ، فقد عرف العرب أوروبا بأجمعها باستثناء أقصى شماليها ، وعرفوا النصف الجنوبي من آسيا كما عرفوا أفريقيا الشمالية إلى خط عرض 10 درجات شمالا وساحل أفريقيا الشرقي إلى رأس كرينتس قرب مدار الجدى 16 . وترك لنا العرب وصفا مفصلا لجميع البلدان من أسبانيا غربا إلى تركستان ومصب السند شرقا مع وصف دقيق لجميع النقاط المأهولة وللمناطق المزروعة والصحارى وبينوا مدى انتشار النباتات المزروعة وأماكن وجود المعادن . ولم يجتذب اهتمامهم الجغرافيا الطبيعية أو الظروف المناخية فحسب بل أيضا الحياة الاجتماعية والصناعة والزراعة واللغة والتعاليم الدينية . كما لم تقتصر معرفتهم على بلاد الإسلام وحدها بل تجاوزت بصورة ملحوظة حدود العالم كما عرفه اليونان . ومعرفة الأخيرين بالبلاد الواقعة إلى الشرق من بحر قزوين كانت ناقصة ، كما لم تكن لديهم أية فكرة عن الساحل الشرقي لآسيا إلى الشمال من الهند الصينية . هذا بينما عرف العرب طريق اليابس الذي يرتفع إلى أعالي نهر ارتيش ونهر ينسى ، وعرفوا سواحل آسيا إلى كوريا شمالا . ولا يزال موضع شك معرفتهم المباشرة باليابان ولو أن ذكرها ظهر في الآونة الأخيرة على مصور جغرافى وضعه لغوى تركى ببغداد في القرن الحادي عشر ، ومن المحتمل أنه قد حصل على معلومات بشأنها